الكوميديا الإدارية

عبد العزيز الذكير

Last updated on أغسطس 21st, 2019 at 02:15 م

عشقتُ مرحلة عمرية إدارية مرّت بي، وأزعم أنها من أكثر المراحل تجذّرا مصحوبة بالمتناقضات، وأستطيع القول إن المرء أحب ما يجد أمامه بنفس خالية من الذنب والزجر والإدانة أو الإتهام ، وقد تجيزون معي مفرة ترخيص أو أذن ليأخذ الموظف راحته مادام مؤديا عمله وكافّ أذاه عن غيره، لأنها مواصفاة مقبولة في قديم تاريخنا الإداري .
لم يكن قبولنا للتسيّب الوظيفى في ذاك الزمن ، إلا تعلقاً بما يمكن أن نحصل عليه في الوظيفة الحكومية. وغالبا ما نجد الكثير من الدوائر الرسمية تفتقر إلى الأساليب العلمية في الاختيار والتعيينات العشوائية وزيادة حجم العاملين في الدائرة بشكل يفوق حجم العمل الحقيقي، ونتج عن تلك السلوكيات قيام كل فرد بالاعتماد على الآخر في القيام بمهام ليست من عمله المحدد، وحصل أن الكثير من موظفي الجهاز الحكومي وأيضا الأهلي يشعر بعدم أهميته ولا يرى أهدافاً واضحة لوجوده هناك غير الحضور والإنصراف .
إذا كان الموظف الذي لديه معاملتك الجاهزة لتسلّمها، يتناول إفطار الصباح مع مجموعة من زملائه فالأمر هيّن ولا بأس من الإنتظار لبعض الوقت ! لكن الأصعب إذا سمح الموظف لنفسه بالخروج من المبنى لقضاء بعض التزاماته أو مواعيده، ولا تعرف – كمراجع – متى سيعود ، لأنه ” مستأذن “.
يقودني الكلام إلى زمالتي في أوائل عهدي بالعمل الحكومي، مع واحد ممن شغل معي نفس الغرفة،  كانت لا تنقصه وسيلة من وسائل الحديث الذي منه استشف أن لديه كم من السماحة وحسن المعاشرة ، بشرط أن لا يحس أن لديك اعتراض على سلبيته نحو العمل ، وإن تركته وشأنه فهو لن يحاربك أو يتعرض لسير عملك، مادمت لا تنتقده لكثرة ما يُنتقد في سلوكه.
كان عمله فقط استلام البرقيات التي تصل إلى الدائره، وقيدها، والتوقيع على دفتر المراسل ثم تسليمها لمدير عام الجهاز (لا يُسلّمها بنفسه بل يدق الجرس ليستدعي مُراسلا).
وأهم ما يُلفت النظر في عاداته أنه حصل – بطريقته – على أريكة ( كنب ) وضعه ملاصقا للطاولة، وبمجرد ذهاب البرقيات إلى جهتها يأخذها نومه ! على تلك الأريكة ،ضامنا أن البرقيات تأتي مرة واحدة في اليوم ، ولا وجود لاحتمال حضور المدير أو أن يقترب أحد من ( كنبته ).
ذات مرة حضر مراجعون وأصروا على الحديث مع صاحبنا عن برقيات أرسلوها وحرص على أن لايُفسدوا عليه برنامج النوم فقال: –
البرقيات كلها راحت للمدير .. وأنا ماعندي إلاّ مفاتيح الـ …….

الوسوم

اترك تعليقاً

Connect with:




لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق