السلطان قابوس، سلطان القلوب وقائد النهضة العُمانية

د. زين العابدين الهدوي

سلطنة عُمان تزخر بالعديد من المعالم الأثرية والملامح التاريخية كالقلاع والأسواق العريقة المنتشرة في مختلف المناطق التي تروي قصة حضارات ضربت بجذورها في عمق النشأة الأولى للإنسان. وتشير المكتشفات الأثرية التي تعود إلى الألفية الخامسة قبل الميلاد والمتواجدة في مناطق متعددة في السلطنة وغيرها من المواقع التي تم التنقيب فيها على فترات مختلفة. تشير كلها إلى العصور والحقب الزمنية المختلفة التي مرت بها عُمان على مدى التاريخ.
وفاة قائد حكيم وقامة تاريخية

فقدت الأمة أحد قادتها الحكماء الذين بنوا دولهم وأحبتهم شعوبهم وكانوا رمزاً للاتّزان والعقل، ولد السلطان قابوس بن سعيد في 18 نوفمبر/تشرين ثاني 1940 في مدينة صلالة بمحافظة ظفار، وهو النجل الوحيد لسعيد بن تيمور، وهو ثامن سلاطين أسرة البوسعيد. وحكم السلطان قابوس سلطنة عُمان منذ توليه السلطة عام 1970. أكمل دراسته في أكاديمية “سانت هرست” العسكرية الملكية في بريطانيا، وعاد إلى عُمان في عام 1964 ليصبح أحد أطول القادة العرب بقاء في السلطة.
تولى حكم السلطنة بعد انقلابه على والده السلطان سعيد بن تيمور الذي عرف بنظام حكمه المتشدد، واندلاع عدد من التمردات والثورات في البلاد ضد نظام حكمه. وظل السلطان قابوس مهيمنا على صناعة القرار الأعلى في عُمان طوال فترة حكمه، إذ شغل مناصب رئيس الوزراء والقائد الأعلى للقوات المسلحة، ووزير الدفاع ووزير المالية ووزير الخارجية، حتى أصبح سلطان الوفاء والمحبة والحكمة.
ولعب دورا عظيما في توحيد عُمان وأحدث نقلة نوعية في مساراتها المختلفة، وتنمية شاملة في كل أرجائها وأبعدها عن كل التجاذبات الإقليمية .. حتى باتت واحة للأمن والإستقرار .
وتوفي مساء الجمعة،( 10 يناير 2020 ) عن عمر ناهز 79 عاما، بحسب ما نقلت وكالة الأنباء العمانية الرسمية عن البلاط السلطاني. وكان قد أمضى أسبوعا للعلاج في بلجيكا الشهر الماضي.
إرساء دعائم الوحدة الوطنية

تمكن سلطان عُمان الراحل قابوس بن سعيد، ، منذ توليه مقاليد الحكم في السلطنة، من إرساء أسس ودعائم الوحدة الوطنية باعتبارها ركيزة راسخة تنطلق منها وترتكز عليها جهود التنمية المستدامة في مختلف المجالات، كما حرص على إعلاء قيم العدالة والمواطنة والمساواة وحكم القانون، وتدعيم أركان دولة المؤسسات التي ينعم بها المواطن والمقيم بالأمن والأمان.
كما نجحت سياسته القائمةُ على النأي بالذات عن الصراعات العالمية والإقليمية، في تجنيب السلطنة الكثير من العواقب السياسية والتبعات الاقتصادية، ووضعت لنفسها محوراً رئيسياً للوساطات ووضع حلول لكثير من الخلافات الدولية والعربية.
التعايش السلمي والحفاظ على العلاقات الودية
السلطان قابوس بن سعيد هو الذي فتح عمان للعالم الخارجي،وتعد عُمان اليوم من الدول الخليجية الأكثر تمسكا بالتقاليد، كما كانت حتى سبعينيات القرن الماضي على الأقل من أكثرها عزلة أيضا.
انتهجت سلطنة عمان منذ عام 1970 سياسة خارجية معتدلة وتوسعت علاقاتها الدبلوماسية بشكل كبير. و حافظت على علاقات ودية مع جميع البلدان. وتحتل عُمان موقعا استراتيجيا عند مدخل الخليج في الزاوية الجنوبية الشرقية لشبه الجزيرة العربية، وكانت في القرن التاسع عشر تتنافس مع البرتغال وبريطانيا على النفوذ في منطقتي الخليج والمحيط الهندي.
ولكن البلاد عانت تحت حكم السلطان سعيد الذي تولى الحكم في عام 1932 من عزلة دولية استمرت لعدة عقود وكانت مجتمعا إقطاعيا يشهد حركات عصيان داخلي متعددة.
وفي عام 1970، عمل السلطان على إخماد حركات التمرد التي كانت في بلاده ومن بينها التمرد في محافظة ظفار الجنوبية (1965 – 1975) وتطلب ذلك منه حوالي خمس سنوات. وبعد تمكنه من إخماد التمرد في جنوب البلاد، فتح عُمان للعالم الخارجي وأطلق عملية اصلاح اقتصادي وزاد الانفاق في مجالات الصحة والتعليم والخدمات الاجتماعية.
إنجازات السلطان

تطورت السلطنة تحت قيادة السلطان، ونمت تجارة عمان غير النفطية على مدار السنوات الأخيرة، ونجحت في التنوع الاقتصادي القائم على العلوم والتكنولوجيا والابتكار، للمساهمة بقوة في تنويع مصادر الدخل.
وأظهرت مؤشرات الاقتصاد العماني مستويات ومراحل متقدمة في خطط وجهود التنويع الاقتصادي، وحققت بعض المشاريع الاستراتيجية العديد من المكاسب. وأشارت بيانات رسمية من وزارة المالية العمانية حول الموازنة العامة لعام 2019 إلى أن ميزانية 2018 شهدت تحسنا في الأداء مقارنة بأداء الأعوام الثلاثة الماضية 2015 – 2017.
وتتسم ميزانية العام الجاري بالتحوط والاستمرار في ضبط وترشيد الإنفاق الجاري وتعزيز الإيرادات غير النفطية والدفع بمشروعات البنية الأساسية والمشروعات الاستراتيجية لتحفيز النمو وزيادة مستويات التنويع الاقتصادي.
تخليداً للسجل المشرف لجهود السلطان قابوس بن سعيد من أجل تقدم ورفاهية شعبه ولمساهمة جلالته على الصعيد الإقليمي والدولي ، ولعناية ‏جلالته بالعلم ودعمهُ لحقوق الإنسان ، فقد تم إطلاق عدة مشاريع على مستوى الدولي والمحلي من قبله، منها:
موسوعة السلطان قابوس للأسماء العربية

حرصت السلطنة على إثراء الحياة الثقافية وإغناء المكتبة العربية بإضافة هامة ، تمثلت ‏في صدور موسوعة السلطان قابوس للأسماء العربية وذلك بمبادرة شخصية من حضرة صاحب ‏الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم – حفظه الله – ، وقد بدأ في تنفيذ المشروع إعتباراً من ‏أكتوبر 1985م ، والموسوعة نتاج أبحاث مكثفة قام بها أكثر من 150 باحثاً من مختلف البلدان ‏العربية في مجالات علمية عديدة شملت التحليلات اللغوية والإجتماعية والتاريخية والسياسية ‏والأدبية تركزت على ما يقارب سبعة ملايين أسم عربي عن طريق إستخدام أحدث الوسائل ‏العلمية والإحصائية. ‏ وهو ما يعد سبقاً تاريخياً ويسد فراغاً في المكتبة العربية، كما قدم نموذجاً للتعاون ‏المتميز بين عشرات الباحثين في مختلف المجالات ومن شتى أنحاء الوطن العربي.
كراسي السلطان قابوس وزمالات علمية

أنشأ السلطان عدة كراسٍ وزمالات علمية في عام 1980 تحت اسم كراسي السلطان قابوس العلمية، وذلك في عدة جامعات عالمية مرموقة تختص بمجالات أكاديمية و ميادين دراسية محددة ، منها سياسية و منها دينية و ثقافية و اقتصادية و فنية. وقد أنشئ حتى الآن ستة عشر كرسيا أكاديميا.
تتنوع الأنشطه والجهود التي تقدمها الكراسي العلمية، إنها تختص بمجالات أكاديمية وميادين دراسية علمية ودينية وثقافية واقتصادية وفنية ، تسهم في تطوير البرامج والأنشطة وعمليات البحث العلمي في المجالات المتعلقة بالدراسات الفكرية والحضارية الأخلاقية والأصول الدينية، ولعل أهمها إجراء البحوث العلمية في المجال العلمي للكرسي، وإصدار الكتب المتعلقه به وتنظيم المؤتمرات والندوات والمحاضرات والملتقيات العلمية في ذات التخصص وهو ما ينعكس إيجابا على السلطنة والمجتمع العماني.
حكومة على النظام الديمقراطي

أسس السلطان حكومة على النظام الديمقراطي، فبدأ بتكوين سلطة تنفيذية مؤلفة من جهاز إداري يشمل مجلس الوزراء والوزارات المختلفة، إضافة إلى الدوائر الإدارية والفنية والمجالس المتخصصة ومن أولى الوزارات التي أسَّسها السلطان قابوس بعد توليه مقاليد الحكم مباشرة وزارة الخارجية.
وقد شهدت عُمان خلال عهده نهضة سريعة في سائر المجالات، وفي المجال الصحي، أمر بإنشاء أعداد كبيرة من المستشفيات والعيادات والمراكز الطبية في كل أرجاء عمان وأمدها بكل احتياجاتها من أطباء ومعدات وأدوات وأدوية وأمن بذلك صحة العُمانيين في المدن والقرى والأرياف على حد سواء، ففي مجال التعليم أنشأ المدارس في كل أرجاء البلاد وجعلها للجنسين، البنين والبنات. أما في المجال الصناعي فقد وسع إنتاج البترول وطوره فانتشرت مصانع تكرير النفط في البلاد، إضافة إلى مصانع الإسمنت ومصانع تعليب الأسماك والتمور وغير ذلك من المنتجات.
السلطان هيثم بن طارق سلطانا للبلاد

جاء تنصيب السلطان الجديد هيثم بن طارق بن تيمور آل سعيد – ابن عم السلطان الراحل وأحد الأعضاء البارزين في العائلة الحاكمة- في انتقال سلس للسلطة بعد الكشف عن أن السلطان قابوس قد أوصى بأن تكون خلافته له. تعهد السلطان هيثم بمواصلة ذات النهج الذي اتبعته عمان في سياستها الخارجية التي وصفها بأنها تقوم على التعايش السلمي والحفاظ على العلاقات الودية مع كل الدول. وعلى صعيد السياسة الخارجية أكد استمراره في دعم جامعة الدول العربية وتحقيق أهدافها، والنأي بهذه المنطقة عن الصراعات.
ولد السلطان هيثم عام 1954 في مسقط، عاصمة عمان. وتخرج من جامعة أكسفورد البريطانية عام 1979.هو السلطان العاشر لسلطنة عمان منذ 11 يناير 2020 خلفًا لابن عمه قابوس بن سعيد وطبقاً لوصيته. وكان قبلها وزيراً للتراث والثقافة منذ فبراير 2002. وكان رئيس اللجنة الرئيسية للرؤية المستقبلية “عمان 2040” كما شغل العديد من المناصب في وزارة الخارجية ومنها الأمين العام، ووكيل الوزارة للشؤون السياسية ووزير مفوض. وعمل في بعض الأحيان كمبعوث خاص للسلطان قابوس بن سعيد.
وتقلد مناصب عدة في الدولة العمانية، كان آخرها منصب وزير التراث والثقافة منذ عام 2002 وحتى تنصيبه سلطانا. وتولى رئاسة الاتحاد العماني لكرة القدم، بين عامي 1983 و1986، ورئاسة اللجنة المنظمة لـدورة الألعاب الآسيوية الشاطئية الثانية التي أقيمت في مسقط عام 2010، كما كان رئيساً فخرياً لجمعية الصداقة العمانية – اليابانية. رحم الله السلطان قابوس، وأسكنه في فراديس جنانه.

المراجع:

كيف كان السلطان قابوس صمام أمان عُمان واستقرارها؟ ،الخليج أون لاين، 11-01-2020
اقتصاد عُمان.. تنوع قائم على التكنولوجيا والابتكار، العين الإخبارية، الأحد 2019/11/17 ،
http://www.ourallegiancetosultanqaboos.ae/ar/Achievements/
https://ar.wikipedia.org/wiki

الوسوم

تعليق واحد

اترك رد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق