بنات مكة: لماذا يتوجب علينا الفخر بالكليب؟

عبد السلام الوايل

بنات مكة: لماذا يتوجب علينا الفخر بالكليب؟

عبد السلام الوايل

لو عُمل تحليل مضمون للاعتراضات على كليب “بنت مكة” فإن الاعتراضات، ومن خلال ما أمكني الاطلاع عليه من تعليقات، ستتوزع على الموضوعين الرئيسيين التاليين:
-الأغنية تجرح قدسية مكة
-تمثيل مكة محصور على مجموعات عرقية محددة
بمعنى أن جانب من الاعتراضات أساسه ثقافي. للدقة أكثر، أساسه ذوقي. فيما الجانب الآخر يعبر عن الصراع على “تمثيل مكة”، من هو الذي يحق له تمثيل المدينة، وأي تراث وأساليب حياة يجوز أن تُنسب لها. في تعليقي أدناه، سأتناول الجانب الأخير.
يستحق النوع الثاني من الاعتراضات عناية خاصة. إذ أنه يتضمن في داخله عدة أبعاد. فنحن بإزاء فورة جديدة حول الهوية الثقافية لبعض مدن الحجاز. بتعبير آخر، أين تكمن ثقافة الحجاز، هل هي في ثقافة سكانه الأصليين المستقرين فيه منذ آماد بعيدة وتشكلوا فيه على شكل قبائل ومجموعات لا يُعرف لها مكان غير الحجاز، أم في هي في ثقافة المجموعات السكانية الوافدة عبر القرون للمدن المقدسة والتي جلبت معها أوجهاً من عناصر ثقافته الأصلية ونسبتها للأقليم؟ قد لا يمكن متابعة محاججات الفريقين في صورها الأكثر وضوحاً من خلال كليب “بنات مكة” لوحده، لتعدد أسس التعليقات على الحدث وحداثة الأمر برمته.

لكن يمكن متابعة تلك المحاججات من خلال إستدعاء الجدل التويتري الساخن الذي إستعّر قبل سنوات حول ثنائية الغبانة/ العقال المقصب ، أيهما الذي يمكن أن يُعدُّ رمزاً ثقافياً لغطاء الرأس الرجالي الحجازي، وهو الجدل الذي تفجّر كنتيجة غير مباشرة بعد تسجيل منظمة اليونسكو رقصة المزمار كرمز حجازي . بمتابعة ذلك الجدل، الذي إستمر لفترة طويلة نسبياً، يمكن تبين أن فكرة الصراع على من له أن يمثل ثقافة الحجاز يقوم على مبدأ “صفري”. أي أن كلاّ من المتجادلين ينطلق من مبدأ أن الحجاز تمثله ثقافة واحدة فقط، إما المستقرين أو الوافدين، حيث يهمل كل فريق العناصر الثقافية الشهيرة للفريق الآخر. يكاد الفريقين أن يصدران عن ذهنية النبذ هذه حارمين المدينتين المقدستين، والوطن الذي يضمهما، أي السعودية، من رأسمال عظيم في سوق الهويات في عالم اليوم، من رأسمال التعددية الثقافية الواسعة الذي أزعم أنه يميز السعودية عن كل بلاد العالم القديم .

بمعنى، أن قبول مشروعية حضور كلا العنصرين: مستقر/وافد واعتبارهما مكونين للجسد الثقافي للإقليم أو للبلاد ككل ليست رائجة في المحاججات. فكل عنصر يرنو لشطب الآخر. وتختزل العبارة القصيرة “مكة حقنا” طريقة التفكير في الموضوع، وكأن مكة يمكن لها أن تكون لجماعة عرقية وحيدة. قد تكون الصور النمطية عن السعودية بلداً صحراوياً منغلقاً لقرون ساهمت في تضييع الدرب الذي يجب أن يسلكه المتحاجّون. فالمجتمع السعودية، وبسبب مكة والمدينة، هو من أكثر المجتمعات الإسلامية، ومجتمعات العالم القديم بشكل عام، تنوعاً وضماً لثقافات من بلاد مختلفة. إنه أصلاً لا يقدر أن يكون أحادي الثقافة. ففيه تتجاور ثقافات وتنتج داخله تراكيب ثقافية فريدة بعد عملية مزج خلاّق لعناصر ثقافية قدمت من مواطن متباعدة. لطالما سمعت من استاذي الدكتور بكر باقادر هذا المثال الملهم: الفول المدمس أكلة مصرية والتميس خبز أفغاني. في مكة إنصهرا لتشكيل وجبة مميزة وشهية. وتخبرنا الصور من العقود الماضية عن تزاوج العمامة والعقال المقصب والغبانة. فيما يضم التراث الموسيقي للحجاز عناصر من إبداع السكان المستقرين (كالخبيتي والمجرور والكسرات) وأيضاً من إبداع السكان الوافدين (والمزمار أبرز مثال على ذلك).

عبر القرون وفد المسلمون من رقع جغرافية واسعة من مختلف قارات العالم القديم على الحجاز واستقر بعضهم كمجموعات فيه. قدمت المجموعات من حدود الفلبين في الجنوب الشرقي وسهول آسيا الوسطى في الشرق وتخوم أوربا في الشمال والجانب الأفريقي لشواطئ الأطلسي في الغرب. ويوجد في اللهجة السعودية كلمات مفاهيمية تصف بدقة هذا التنوع، فا”الجاوة” تطلق على الوافدين من جنوب شرق آسيا, و”البخارية” تطلق على الوافدين من وسط آسيا، و”العجم” على ذوي الأصول الفارسية، و”الهوسا والتكروني والفلاتة” على مجموعات متنوعة من وسط أفريقيا. قدم هؤلاء بتراثهم من موسيقى واشعار ولبس وأكل وحتى عمران وحافظوا على هذا التراث ثم أورثوه للبلاد مازجين إياه مع بعضه البعض ومع تراث السكان الأصليين. لقد كانت حواري مكة وأزقتها وبيوتها موضعاً لمزج خبز التميس الأفغاني بالفول المصري وكانت أيضاً موضعاً لتجاور رقصة المزمار مع ألحان محلية قديمة.

هذا الواقع التعددي ليس معضلة تقسم الناس. بل وضع فريد يُفاخر به. إنه منحة ربانية تبرز الغنى الثقافي والروحي الفريد للمملكة العربية السعودية ككل. إنه ليس تهديداً. بل فرصة. ليس فقط العالم الجديد، الأمريكتين مثلاً، الذي تتجاور فيه ثقافات متعددة، أوربية وأفريقية غالباً. بل هناك بقعة فريدة من العالم القديم اسمها السعودية تمثل إنموذجاً فريداً تجاورت فيه عناصر ثقافية كما لم يحدث في أي من بقاع العالم القديم من قبل.
يمكن لنا أن نقدم كليب “بنات مكة” كعلامة على تراث التعددية. ليست تعددية صهر الكل في واحدMelting pot . بل تعددية العناصر التي تشكل مع بعضها وباحتفاظها بعناصرها الأصلية طبقاً صحياً وشهياً عماده التنوع. إنه تعددية “طبق السلطة” الثقافي Salad bowl. هذه المفاهيم ليست حكراً على مجتمع الولايات المتحدة. بل لدينا في السعودية ومنذ القدم نسخة منها، وما تجاور لهجات وألبسة وموسيقى بلاد عديدة داخل مدننا إلا شاهد على ذلك.

الفتاة السمراء في كليب “بنات مكة” تقول للعالم: أني أعبر عن بنات أحد المدن السعودية. ليس عن كل بنات تلك المدينة. بل عن بعضهن. عن إثنية محددة داخل التنوع الأثني الهائل في تلك المدينة. ليس عن نمط حياة سائر بنات المدينة. بل عن نمط بنات بعض مجموعاتها، من ضمن أنماط عديدة سُمح لها بالبقاء والازدهار والتعبير عن نفسها.
وأنا أشاهد في الكليب مواطنة لاتشبه ابنتي وشباناً لايشبهون ابني وبيوتا لاتشبه بيتي وتسميات قرابية لاتشبه تسمياتي القرابية شعرت بالفخر. فهنا، من بين سائر بلاد العالم القديم، بلاد حفلت بالتنوع وحافظت عليه وسمحت لمواطنين وفد أجدادهم من مختلف أرجاء العالم أن يحتفظوا بتنوعهم وأن يعبروا عنه وأن يطوروا هويات تنسب نفسها لمدننا.

الوسوم

‫5 تعليقات

  1. نظرة مختلفة أعتبرها اجمل ماكتب حول التعددية الثقافية لمشكلة الهوية الحجازية، لكن من يقنع المتعصبين بأهمية التعددية وأنها ثراء لا سرقة للهوية؟ الأمر في يد الحكومة لتقنين ذلك وحفظ حقوق الجميع.

  2. رقص الشباب مع الفتيات مشهد مخالف للشرع ولثقافة المجتمع ولا يتلائم إطلاقاً مع اسم مكة وقدسيتها.
    الابتذال هو سبب اعتراض الناس عليه وليس الاحتكار.

اترك رد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق