رسالة الأزمة لنا

Last updated on أغسطس 5th, 2020 at 04:30 م

بقلم سارة سالم آل ضرمان

لطالما مرّت البشرية بالعديد من التحديات التي تتطلب استثمار الوقت والجهد لمحاولة حلّها أو التقليل من وجودها، اذ يحمل تاريخ الإنسان في طيّاته غفير الأزمات التي خاضها ولا يزال أثر بعضها مُمتدٌ حتى اليوم، فبالرجوع للتاريخ القريب قبل ١٠٠ سنة نرى الحدث الأهم والجائحة التي حصدت وفاة مئة مليون شخص المُسماة بـ “الإنفلونزا الإسبانية”، وبالعودة عشر سنوات للوراء في عام ٢٠٠٩ انبثق سليل لفايروس الإنفلونزا الإسبانية في المكسيك واجتاح ٧٤ دولة مُخلفًا وراءهُ ١٥ ألف حالة وفاة، عشرة الالاف منها كانت مُسجلة في الدول العربية وسُميَّت الجائحة بـ” إنفلونزا الخنازير” نسبةً للحيوان الذي ينقل العدوى للإنسان.

وها نحن اليوم نعيش ما يُسمى بالجائحة، جائحة كورونا المستجد. الحديث هنا لا يقتصر على الجانب الصحي والعبء الذي شكلّهُ كورونا فوق أكتاف الشعوب والحكومات، بل أيضًا على الرسالة التي تحملها لنا الأزمة.

لم يقتصر أثر الأزمة على مجموعة أفراد معينة أو دولة محددة بل أثرت على الجميع دون استثناء، لذلك هذا الأثر يستحق التأمل ورؤية كيف انعكس على مختلف الجوانب.

نستهل بالحديث عن الأثر على مستوى الفرد، الإنسان يملك ٢٤ ساعة في اليوم ليحقق ما يرغب في إنجازه، فيقضي عدد من الساعات في الدراسة والعمل، وأخرى في لقاءاته الخارجية لمقابلة أصدقاء أو إنجاز مهامه، وأخرى في قضاء مستلزماته واللحاق بزحمة المدينة المكتظة لينتهي اليوم بقليل من الوقت يقضيه الفرد مع أسرته، ولكن بعد وقوع الأزمة أصبح الجميع يقضي الأربع والعشرون ساعة خاصته في المنزل ومع الأسرة التي طالما اختلسته أشغالهُ عنها، فيجد الإنسان كمٌّ من الوقت لم يعهده من قبل ليُجدد بعض الروابط الأسرية. لا تقتصر فرصة امتلاك المزيد من الوقت فقط على تحسين علاقتنا مع الأسرة بل أيضًا لتحسين علاقتنا مع أنفسنا، فمع زوال الكثير من صخب الحياة اليومية أصبح للإنسان فرصة للخلوةِ مع نفسه وترتيب بعض الأولويات وحل بعض المسائل الشخصية التي أجّلها لوقتٍ لاحق، بالإضافة إلى أن الأزمة أتت لِتُذكر من غفِلَ عن صحته مُتعذرًا بانشغالاتهِ وأهمل جسده وتسبّبَ في نقص مناعته إلى أن يُدير اهتمامه لنفسه وصحته حتى يستطيع جسده مقاومة أي علّة قد تُصيبه.

وضعتنا الأزمة في موضع يسمح لنا بالتأمل أكثر في مقاييسنا في تحديد مدى أهمية الأشياء بالنسبة لنا، قبل الأزمة كان غالبية الناس يُعاملون بعض الكماليات المادية كأمورٍ أساسية لهم لا غنى عنها مؤديًا ذلك إلى إسراف غير مدروس للموارد من وقتٍ وجهد ومال لكن الجائحة جعلت الفرد يدرك كيف يتخفّف من ماديات ليس لها أهمية له ويركز على الأساسيات، وعلّمت من كان بحاجةٍ للتعلم في التفريق بين أساسيات أمورهم من كماليتها ليتمكّنوا لاحقًا من حسن استثمار مواردهم.

أيضًا من  الجدير بالتأمل كيف كانت ردة فعل الناس تجاه الأزمة، نجد أن الغالبية قد انقسموا لثلاثِ أقسام، القسم الأول هو الخائف والذي يعتقد بأن المرض سيصيبه في أي وقت وعلى الرغم من اتخاذه التدابير اللازمة إلا أن الخوف والتوتر هو العنوان السائد لأيامه، أما القسم الثاني المعاكس وهو النوع المستهتر الذي يظنّ احتمالية إصابته بالمرض نادرة جدًا وقد تكاد تكون مستحيلة ولا يرى بأهمية اتخاذ احترازات وتجد عند هذا النوع أسباب عديدة لهذا الاستهتار، فبعضهم لا يملك الوعي الكافي ويجهل بخطورة الأمر ولذلك لا يأخذ الأمر بشكل جدي، أما البعض يعتقد بأن الإعلام يحاول تضخيم الأمور ويُبالغ في طرحها لبث الخوف في نفوس الناس وأن الأمر يدور حول مؤامرةٍ ما، أما القسم الثالث من الناس في ردّات فعلهم تجاه الأزمة فهو المعتدل والمتزن، فهو يشعر بالاطمئنان ولا يُلازمه رعب مستمر وفي الوقت نفسه يلتزم بالتدبيرات الاحترازية التي تُساعده في الوقاية.

يُجدر بنا أيضًا التأمل في أثر الأزمة على المؤسسة التعليمية، اعتادت المنظومة التعليمية على نهجٍ تقليدي في إيصال العلم وتلقيه وإدخال التقنية بشكل محدود، لكن بعد الأزمة وخلال فترة وجيزة تبدّل مسار التعليم واعتمدَّ بشكلٍ كُلي على التقنية، وهذا التحوّل ليس طفيف الأثر فبعدَ اجتياز الأزمة -بإذن الله- سيُؤخذ في عين الاعتبار هذا النهج الجديد على المنظومة التعلمية، فالأزمة منحت فرصة لدراسة خطوة التعليم عن بعد للمساعدة في تمحيص وتقدم نُهج التعليم.

سلطت الأزمة أيضًا الضوء على جانب رابطة الفرد بدولته، ماهي تلك الرابطة؟ هل هي رابطة أصلها الانتماء وأن الفرد له قيمته الإنسانية بحد ذاته؟ أو أن قيمتهُ كفرد تعتمد على مدى إنتاجيته؟ الأزمة أجابت على مثل هذه الأسئلة، فبعض الدول كبريطانيا رأت الفرد بقيمته الاقتصادية لا بقيمة انتمائهِ لأرضه حين ذكر رئيس وزراء بريطانيا بوريس في مؤتمر صحافي أن كثيراً من العائلات ستفقد أحباءها بسبب تفشي الفايروس معلناً أن حكومته تتخذ استراتيجية مناعة القطيع في التعامل مع الأزمة، فعند رؤية مثل هذا التصرف صادرًا من الدولة كيف سيكون أثر ذلك على الفرد؟ كيف سيؤثر في ثقته وولاءه لدولته؟ فهل سيكون انتماءه وتعاونه مع دولته مبنيًا على أساسٍ ماديٌ اقتصادي وحين تزول المادة يزول الولاء؟.. وعندَ ذكر تصرف حكومات الدول مع الجائحة لا بد من ذكر ردة فعل الحكومة السعودية، الجهود ركزت على تقليل الانتشار قدر الإمكان بحيث بادرت بتعليق كل الدوائر التعليمية والحكومية والخاصة، وإيقاف عمل مراكز التجمعات كالأسواق التجارية و دور السينما وغيرها، وبعد فترة وجيزة فرضت نظام حظر التجول، بالإضافة لأمر خادم الحرمين الشريفين بتقديم العلاج مجاناً للمواطنين والمقيمين ومخالفي الإقامة.

مثل هذه الجهود وردّة الفعل تخلق حسّ ولاء وثقة في الفرد تجاه حرص حكومته على سلامته، ويتجّسد حس الولاء هذا عند التزامه بتعليمات حكومته في حظر التجول والبقاء في المنزل، فمثل هذه الأزمة ستُغير وتُعيد تشكيل بعض المفاهيم للفرد تجاه دولته. أثرت الأزمة أيضًا على بعض المفاهيم الرائجة الخاطئة وأعادت التأمل فيها كمفهوم ارتباط التطعيم بالتوحد حيث أظهرت مؤشرات البحث في غوغل على مدى ٥ سنوات أن البحث عن مفردة التطعيم كان مُقترنًا مع البحث عن التوحد لكن بعد الجائحة اختلف الأمرحيث قلّ اقتران البحث عن التطعيم بالتوحد واقتصر البحث عن التطعيم فقط. التأملات المذكورة سابقًا هي محاولة لفهم الرسالة التي تحملها الجائحة لنا، فعلى الرغم من أنها جائحة صحية إلا أن أثرها يمتدّ لما هو أكثر من ذلك وإدراك هذا الأثر يُمهّد السبيل ويملئ نقص الثغرات ويقوّم مسارنا في الحياة لما هو أصلحُ حالًا، فتقدّمنا للأمام لا يأتي إلا عندما نتأمل بعمق فيما اجتاحنا لنتعلم منه.

الوسوم

اترك رد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق